إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب : المسار القانوني والانعكاسات السياسية والاقتصادية

تبحث الورقة في المسار القانوني لإزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوضّح أن هذه الخطوة لا تصبح نافذة بمجرد إعلان الرئيس الأميركي، بل تخضع لإجراءات قانونية عدة، تبدأ بإخطار الكونغرس وتنتهي باستكمال الإجراءات التنفيذية داخل الإدارة الأميركية. وتبيّن أن إلغاء قانون قيصر وإنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشامل لا يعنيان انتهاء جميع القيود، إذ تستمر العقوبات الموجهة ضد أفراد وكيانات محددة، إلى جانب متطلبات الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال.


وتؤكد الورقة أن استكمال إزالة التصنيف قد يُسهم في تخفيف الاحتراز المصرفي والاستثماري تجاه سورية، وتحسين فرص اندماجها في النظام المالي والاقتصادي العالمي، إلا أن ذلك لا يشكّل ضمانة لتحقيق التعافي الاقتصادي، إذ تظل الاستفادة من هذه الخطوة مرتبطة بالإصلاحات المؤسسية، وتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية، واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية.


وتخلص الدراسة إلى أن إزالة التصنيف تمثل تحولًا في السياسة الأميركية، من العقوبات الشاملة إلى العقوبات الموجهة، بما يفتح فرصًا جديدة أمام الاقتصاد السوري، مع بقاء بعض القيود القانونية والتنظيمية. وتوصي بالاستفادة من هذه المرحلة عبر تنفيذ إصلاحات مصرفية وتشريعية وتعزيز الامتثال المالي، بما يدعم إعادة اندماج سورية في الاقتصاد العالمي.

ملخص تنفيذي

تتناول هذه الورقة المسار القانوني لإزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حيث يُعدّ هذا المسار جزءًا من التحوّل التدريجي في السياسة الأميركية تجاه سورية بعد سقوط نظام الأسد، وتوضح أن إزالة تصنيف سورية لا تكون نافذةً بمجرد إعلان الرئيس الأميركي عنها، وإنما تخضع لإجراءات قانونية تبدأ بإخطار الكونغرس، وتنتهي بقرار رسمي من وزارة الخارجية. وتبيّن الورقة أثر إلغاء قانون قيصر وإنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشامل، مع بيان استمرار العقوبات الموجهة ضد بشار الأسد وشبكاته وبعض القيود المالية والتنظيمية. وتؤكد الورقة أن إزالة التصنيف لا تعني انتهاء جميع القيود الأميركية، بل انتقال السياسة الأميركية من العقوبات الشاملة، إلى العقوبات الموجهة ضدّ الأفراد والكيانات، مع الإبقاء على متطلبات الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال، مما يجعل الاستفادة الاقتصادية مرتبطةً بقدرة المؤسسات السورية على استعادة الثقة المالية الدولية. وتخلص الورقة إلى أن رفع التصنيف سيُسهم في تخفيف الاحتراز المالي، وتحسين فرص اندماج سورية في النظام المالي والاقتصادي العالمي، مع بقاء نجاح هذه الفرصة مرهونًا بالإصلاحات المؤسسية الداخلية، خاصة في القطاع المصرفي، في حين سيظل الأثر على القطاعين العسكري والأمني محدودًا وتدريجيًا.

مقدمة

بدأت العقوبات الأميركية على سورية حين وُضِعت ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، بسبب دعم سورية لفصائل فلسطينية ولبنانية ، ثم توسّعت مع قانون محاسبة سورية والسيادة اللبنانية لعام 2003 ، ثم صدرت عدة أوامر تنفيذية بعد 2004، وصولًا إلى العقوبات الموسعة على نظام الأسد بعد عام 2011، عقب اندلاع الثورة السورية، وقانون قيصر عام 2019. وكانت الفلسفة الأميركية لهذه العقوبات تقوم على محاصرة نظام الأسد، عبر حرمانه من الموارد، وتقييد محاولاته لجلب أموال عبر مسار إعادة الإعمار أو التعافي. ومع سقوط نظام الأسد، أصبحت هذه العقوبات، من الناحية العملية، تؤثّر في أداء الحكومة السورية الجديدة، إذ تحدّ من قدرتها على تحقيق التعافي الاقتصادي والشروع في عملية إعادة الإعمار، رغم أنها بقيت سارية من الناحية القانونية إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الآليات القانونية الأميركية المختصة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه العقوبات العقبةَ الوحيدة أمام التعافي الاقتصادي، إذ أظهرت التجربة العملية أن إزالة بعض القيود القانونية، ومنها إلغاء قانون قيصر، لم تكن كافية وحدها لإحداث تحوّل اقتصادي ملموس. وهذا يشير إلى أن التعافي الاقتصادي يرتبط أيضًا بعوامل داخلية مؤسسية وتشريعية، وبمستوى الثقة في البيئة الاستثمارية والقطاع المالي، إلى جانب تخفيف القيود القانونية الخارجية.


ومن الجانب الأميركي، بدأت واشنطن بعد سقوط النظام إعادة تقييم علاقتها مع سورية، ولم يأت التحوّل الأميركي تجاه سورية دفعة واحدة، بل عبر خطوات متدرجة، بدأت برخصة عامة، بتاريخ 23 أيار/ مايو 2025 ، شملت إزالة عددٍ من الأسماء المعاقبة من لوائح وزارة الخزانة الأميركية (SDN) ، ثم إلغاء قانون قيصر في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2025 ، ثم إعلان الرئيس الأميركي عزمه الشروع في الإجراءات القانونية اللازمة لإزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 6 تموز/ يوليو 2026 . ويبدو أن هذه هذه الخطوات تعكس أحد الأنماط المتكررة في إدارة الولايات المتحدة لبرامج العقوبات، التي تبدأ بالرخص لاختبار السلوك، ثم تتحول إلى رفع أو إلغاء أوسع، عندما تتضح معالم المسار السياسي بين واشنطن والبلد المُعاقَب. ولكن ما يميز الحالة السورية بعد سقوط النظام السابق أن الرُّخص استهدفت مساعدة الحكومة السورية اقتصاديًا مباشرة، على عكس الرخص التي تستهدف عادة مؤسسات وشركات منفصلة عن الدولة، كما في الحالتين الفنزويلية والروسية مثلًا. ومن ثم، كان إيعاز الرئيس الأميركي بإزالة سورية من قائمة الدولة الراعية للإرهاب حدثًا مرتبطًا بمسار تفكيك العقوبات الشاملة التي استهدفت سورية منذ عام 1979.

أولًا: الخطوات القانونية اللاحقة ضمن الحكومة الأميركية

لا يعني إعلان الرئيس الأميركي عزمَه إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب أن الإزالة أصبحت نافذة، إذ يضع القانون الأميركي مسارًا قانونيًا محددًا لإلغاء هذا التصنيف، استنادًا إلى قانون المساعدات الخارجية، بحيث لا تتم الإزالة إلا بعد أن يقدّم الرئيس التقرير أو الشهادة التي يتطلبها القانون إلى الكونغرس، مستندًا إلى أحد المسارين الآتيين:
1- حدوث تغيير جوهري في قيادة ومؤسسات الدولة المصنفة، وثبات أن الحكومة الحالية لا تدعم الإرهاب، وقدّمت ضمانات بعدم دعمه مستقبلًا.
2- عدم تقديم حكومة الدولة المصنفة أيّ دعمٍ للإرهاب خلال الأشهر الستة السابقة لتقديم التقرير.
ويبدو أن الحالة السورية تندرج بصورة أوضح ضمن المسار الأول، القائم على حدوث تغيير جوهري في قيادة الدولة وسياساتها. أما المسار الثاني، فيقتضي إثبات عدم تقديم الحكومة أي دعم للإرهاب خلال الأشهر الستة السابقة، وهو معيار مستقل لا يرتبط قانونًا بالانضمام إلى تحالفات مكافحة الإرهاب .


وتأتي الخطوة اللاحقة بعد تقديم الرئيس تقريره إلى الكونغرس، إذ تبدأ مهلة مراجعة مدتها 45 يومًا، يملك خلالها الكونغرس الاعتراض وفق الآليات التي يحددها القانون. فإذا انقضت هذه المهلة دون اعتراض نافذ، أصبحت إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب نافذةً، وتستكمل وزارة الخارجية الإجراءات التنفيذية اللازمة لوضع القرار الرئاسي موضع التنفيذ ونشره وفق الأصول القانونية، بما يستتبع قيام وزارتي التجارة والخزانة بتحديث اللوائح والأنظمة الأميركية ذات الصلة، وإزالة القيود المرتبطة بالتصنيف في مجالات التصدير والتمويل والامتثال المصرفي.

ثانيًا: العقوبات المتبقية على سورية بعد إلغاء قانون قيصر

تضمّن قانون الدفاع الوطني الأميركي لعام 2026 إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019، وبذلك أُلغي أبرز الأسس التشريعية للعقوبات الثانوية الواسعة التي كانت تستهدف الأشخاص والكيانات غير الأميركية المتعاملة مع الحكومة السورية، أو مع قطاعات الطاقة والطيران والبناء فيها. ونتيجة لذلك، لم تعد الشركات الأجنبية بحاجة إلى الاستفادة من الإعفاءات الدورية التي كان يتيحها القانون، والتي كانت تُجدّد كل 180 يومًا. وفي الوقت نفسه، لا يعني إلغاء قانون قيصر انتهاءَ نظام العقوبات الأميركي المتعلق بسورية، إذ ما تزال هناك عقوبات أخرى نافذة، تستهدف أشخاصًا وكيانات سورية محددة، مثل بشّار الأسد ورامي مخلوف وكيانات سورية محددة، مثل BS Company Offshore ، وفقًا للأسس القانونية المنظمة لها .


وبإلغاء قانون قيصر، أُلغيَ أحدُ أهم الأسس القانونية للعقوبات الثانوية الواسعة التي كانت تستهدف الشركات والدول غير الأميركية المتعاملة مع الحكومة السورية أو مع قطاعات الطاقة والطيران والبناء في سورية، لذلك من الناحية القانونية، لم تعد الشركات الأجنبية بحاجة إلى انتظار إعفاءات دورية بموجب قانون قيصر، وفي الوقت نفسه لا يعني زوال قانون قيصر أن الرقابة الأميركية تلاشت على سورية، لأن العقوبات الأخرى ظلّت قائمة ضد أشخاص وكيانات سورية محددة.


أما على صعيد برنامج العقوبات السورية الشامل، فقد أنهت الإدارة الأميركية برنامج العقوبات الشامل، المنشأ بموجب تلك الأوامر التنفيذية عبر الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر بتاريخ 30 حزيران/ يونيو 2025 ، الذي أنهى حالة الطوارئ المرتبطة بالأمر التنفيذي 13338 ، وألغى الأوامر التنفيذية 13399، 13460، 13572، 13573ـ 13582، وهي الأوامر التنفيذية التي شكّلت البنية القانونية الأميركية للعقوبات الشاملة التي استهدفت الدولة السورية ومؤسساتها. وبناءً على إنهاء نفاذ هذه الأوامر التنفيذية، أزالت وزارة الخزانة الأميركية لوائح العقوبات السورية من مدونة اللوائح الفيدرالية، وأجرت تعديلات على قوائم العقوبات ذات الصلة، إلا أن ذلك لم يُؤدِّ إلى إنهاء جميع القيود المفروضة على سورية، إذ بقيت بعض العقوبات نافذة ضمن ثلاثة مسارات رئيسية:

  • عقوبات على بشار الأسد وشبكته الاقتصادية، وذلك ضمن إيضاح الخزانة الأميركية بأن العقوبات ستبقى على الأسد ومساعديه، وشبكة تجار الكبتاغون، والأشخاص المرتبطين بداعش وإيران .
  • أتاح الأمر التنفيذي رقم 14312 فرض عقوبات موجّهة على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن “أعمال تهدّد السلام والاستقرار ووحدة الأراضي السورية”، أو عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إلى جانب من يقدّم لهم دعمًا ماديًا أو ماليًا أو تقنيًا ، وبذلك تكون فكرة الأمر التنفيذي متابعة سلوك الأفراد ومعاقبتهم، بدلًا من فرض حظر اقتصادي شامل على سورية.
  • القيود التنظيمية المرتبطة بمكافحة غسل الأموال، حيث أصدرت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCEN) إعفاءً يسمح للمؤسسات المالية الأميركية بفتح وإدارة حسابات مراسلة للبنك التجاري السوري. إلا أنها أكدت أن هذا الإعفاء لا يعفي تلك المؤسسات من الالتزام بمتطلبات العناية الواجبة المنصوص عليها في المادة (312) من قانون USA PATRIOT Act ولائحته التنفيذية. ويعني ذلك أن إعادة دمج المؤسسات المالية السورية في النظام المالي الدولي ستظل عملية تدريجية، إذ سيستمر اعتماد البنوك المراسلة على تقييمات المخاطر ومدى امتثال المؤسسات المالية السورية لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وقواعد الشفافية المالية، قبل توسيع علاقاتها معها. ومن ثم، فإن هذا الإعفاء لا يرفع التزامات الامتثال، وإنما يزيل أحد القيود التنظيمية مع بقاء متطلبات العناية الواجبة والرقابة التنظيمية سارية.

ومن جانب آخر، يُلاحظ أن إنهاء برنامج العقوبات السورية لم يؤدِّ إلى رفع العقوبات عن جميع الأشخاص المدرجين سابقًا، إذ أبقت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على عددٍ من الأشخاص والكيانات، منهم بعض قادة فصائل الجيش الوطني السوري، مثل سيف أبو بكر (قائد فرقة الحمزة)، بعد إعادة إدراجهم بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894 المعدل، باعتبارهم من الأطراف التي تندرج ضمن الفئات المستهدفة بالعقوبات الموجهة .

ثالثًا: انعكاسات إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب

تعَدّ إزالة سورية من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب اعترافًا سياسيًا أميركيًا بأن واشنطن انتقلت، من عدّ سورية مصدرًا للتهديد، إلى عدّها طرفًا يمكن التفاهم معه. ومن المرجّح أن ينعكس ذلك على العلاقات السورية الأوروبية أيضًا، إذ بقيت العقوبات الأميركية عاملًا حاسمًا في قرارات البنوك والشركات، على الرغم من رفع للعقوبات الأوروبية على سورية. ويستند هذا المسار إلى تراكم عدة خطوات تنفيذية وتشريعية أميركية، منذ لقاء الرئيس ترامب بالرئيس الشرع في الرياض في 13 أيار/ مايو 2025، حيث أعلن ترامب نيته رفع العقوبات عن سورية ، ثم أصدر في 30 حزيران/ يونيو 2025 الأمر التنفيذي رقم 14312 الذي أنهى برنامج العقوبات الشامل رسميًا ، وصولًا إلى إخطار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الكونغرس، في 8 تموز/ يوليو 2026 بقرار الرئيس رفع تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب .


أما على الصعيد السياسي الداخلي، فقد يُعدّ الدخول في المسار القانوني الأميركي، لإزالة سورية من قائمة الراعية للإرهاب، ورقة قوة للحكومة السورية أمام فواعل دون الدولة: قوات (قسد) وميلشيات الهجري، لأن الاعتراف الأميركي بالدولة المركزية قد يُعزّز من فرص توجه هذه الفواعل نحو التفاوض مع الحكومة السورية، بدلًا من التعويل على الدعم أو التواصل الخارجي.
على الصعيد الاقتصادي، لم تكن المشكلة الاقتصادية في سورية هي وجود عقوبات على قطاعات ومؤسسات مختلفة فقط، بل وجود مخاوف من استغلال الأموال الداخلة إلى سورية في عمليات تُعارض سياسيات الولايات المتحدة الأميركية، خاصة في ظلّ وجود الشبكات الروسية والإيرانية الاقتصادية في سورية، في عهدَي الأسد الأب والابن. وبعد سقوط النظام، تعرّض النفوذ الاقتصادي الإيراني لانكماش واضح، نتيجة انهيار البنية السياسية والاقتصادية التي استند إليها في ظلّ نظام الأسد ، في حين لم يشهد النفوذ الاقتصادي الروسي تراجعًا شاملًا، وإنما دخل مرحلة إعادة تفاوض وإعادة تشكيل، إذ ألغَت الحكومة السورية بعض العقود، مثل عقد تشغيل مرفأ طرطوس ، واستمرت العلاقات الاقتصادية بين البلدين في بعض القطاعات، ولا سيما الطاقة والغذاء، بالتوازي مع استمرار المفاوضات بشأن مستقبل الوجود الروسي في سورية . ومن ثم، من المرجّح أن يتمثل الأثر الاقتصادي الأبرز لإزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب في تخفيف الاحتراز المصرفي والاستثماري تجاه السوق السورية، أكثر من ارتباطه بتراجع النفوذ الروسي، إذ قد تُسهم إزالة التصنيف في تعزيز فرص اندماج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي، شريطة تنفيذ إصلاحات مؤسسية وتشريعية تعزز الشفافية والامتثال وتبني الثقة مع المؤسسات المالية الدولية.


ويُلاحظ أن وجود هذه المخاوف، من الأموال الواردة أو الصادرة من سورية، هو ما يُفسّر بقاء بعض القيود التنظيمية، على الرغم من رفع العقوبات الشاملة، فحتى بعد إلغاء قانون قيصر وصدور الأمر التنفيذي 14312، ما تزال سورية ضمن المجموعة (E:1)، في لوائح الرقابة على الصادرات الأميركية (EAR) ، ويُتوقع أن يُزال اسمها من تلك اللوائح، بعد رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستكمال الإجراءات التنظيمية الأميركية ذات الصلة . ويوضّح هذا التفصيل أن تصنيف الدولة دولةً راعيةً للإرهاب يُشكِّل حائلًا قانونيًا مستقلًا عن برنامج العقوبات الاقتصادية الأميركية نفسه، وأن رفع التصنيف سيزيل جانبًا مهمًّا من القيود القانونية والتنظيمية المرتبطة بتصنيف الدولة الراعية للإرهاب، من دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إنهاء جميع القيود المفروضة على التعاملات المالية.
لذلك، بعد إلغاء قانون قيصر وبدء مسار إزالة تصنيف سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لم تعُد قطاعات الطاقة والنقل والمصارف خاضعةً للعقوبات الشاملة التي كانت تعوق تعاملها مع الأسواق الدولية، الأمر الذي يتيح لها الاستفادة من هامش أوسع لممارسة أنشطتها الاقتصادية، مع استمرار خضوعها للقيود التنظيمية ومتطلبات الامتثال الأخرى. ويتمثل أبرز ذلك في ما يلي:

  • قطاع الطاقة: توسيع نطاق عقود الصيانة والتأهيل، واستيراد المعدات والتقنيات اللازمة، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية في القطاع.
  • قطاع النقل: تسهيل استيراد قطع الغيار والمعدات الخاصة بالطائرات والسفن ووسائل النقل الأخرى، بما يسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل.
  • القطاع المصرفي: إتاحة الفرصة للبنوك السورية لاستعادة علاقات المراسلة المصرفية، وإجراء المعاملات بالعملات الأجنبية، إلا أن ذلك سيظل مرتبطًا بقدرة سورية على تنفيذ إصلاحات مصرفية وتشريعية، تشمل تحديث منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الشفافية المالية، وضمان استقلالية مصرف سورية المركزي، بما يعزز ثقة المؤسسات المالية الدولية والبنوك المراسلة.

ومن جانب آخر، يُمكن أن يؤثر اكتمال رفع التصنيف إيجابًا في قطاعات أخرى، ولكن تتفاوت هذه القطاعات من حيث المدة الزمنية اللازمة للاستفادة من رفع التصنيف، فعلى صعيد القطاع العسكري والأمني، من المتوقع أن يؤدي رفع التصنيف إلى إزالة القيود القانونية المرتبطة حصرًا بتصنيف الدولة الراعية للإرهاب، دون أن يعني ذلك السماح تلقائيًا بتصدير الأسلحة أو التكنولوجيا العسكرية، إذ تبقى هذه الصادرات خاضعة لأنظمة الترخيص الأميركية الأخرى، ولا سيما ITAR وAECA، وبعبارة أخرى: يبقى الأثر العسكري لرفع التصنيف تدريجيًا ومشروطًا، فحتى بعد أن أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تخفيفًا جزئيًا لضوابط الصادرات لسورية في أيلول/ سبتمبر 2025، بقيت الاستثناءات تستبعد أي صادرات تدعم الجيش أو الشرطة أو أجهزة الاستخبارات السورية بشكل مباشر أو غير مباشر ، وإن رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب يؤدي إلى إلغاء القيود المرتبطة بهذا التصنيف بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة (AECA) ، إلا أن ذلك لا يتحوّل تلقائيًا إلى مساحة السماح بتصدير الأسلحة أو التكنولوجيا العسكرية إلى سورية، لأن الصادرات ستبقى خاضعة لنظام التراخيص الذي تنص عليه لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR) .

خاتمة

لا يمكن اعتبار البدء بمسار رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب حدثًا منفردًا، بل هو استمرارية لمسار تراكمي، بدأ بالرخصة الاستثنائية على العقوبات، ومَرّ بإلغاء قانون قيصر، ثم وصل إلى إخطار الرئيس ترامب للكونغرس بما يخص إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو مسار يُمثل التحوّل الأميركي، من اعتبار سورية معاقبة وداعمة للإرهاب، إلى اعتبارها طرفًا يمكن بناء علاقة سياسية معه.


ومن جانب تأثير رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، من المتوقع أن يظهر أثره الاقتصادي بالدرجة الأولى من خلال تراجع “الاحتراز المالي” الذي كان يقيّد الشركات والبنوك الأجنبية حتى بعد رفع العقوبات الأوروبية، في حين سيبقى الأثر على القطاعين العسكري والأمني تدريجيًا وطويل الأمد. ويحمل هذا التحوّل بُعدًا سياسيًا داخليًا، عبر تأكيد الاعتراف بالدولة السورية المركزية، وهو ما قد يحدّ من قدرة بعض جماعات ما دون الدولة على توظيف علاقاتها الخارجية في موازنة علاقتها بالحكومة السورية، مثل ميليشيات الهجري في السويداء، وذلك بأن يكون لها بُعدٌ خارجي يُضاف إلى حليفها الإسرائيلي في تفاوضها مع دمشق.

ختامًا، يمكن أن يُعدّ رفع التصنيف أحد الشروط المهمة لتسهيل التعافي الاقتصادي وإعادة الاندماج المالي، إلا أنه لا يكفي وحده لتحقيق ذلك، إذ يظل نجاح هذه العملية رهنًا بعوامل قانونية ومؤسسية واقتصادية داخلية وخارجية ، لأن المسار القانوني الأميركي عند اكتماله يكون قد أزال إحدى أهم العقبات الخارجية أمام هذا الدمج، غير أن اكتمال الدمج مرتبط بقدرة الحكومة السورية على ترجمة هذه الفرصة إلى إصلاحات مؤسسية، تبني الثقة مع الأطراف المصرفية والاستثمارية الدولية، وبذلك يصبح مسار التعافي الاقتصادي في سورية محكومًا بالأداء الداخلي، وليس نتيجة تلقائية للقرار الأميركي.

إزالة التصنيفالإصلاح المصرفيالتعافي الاقتصاديالعقوبات الأميركية
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد