تُعنى هذه الورقة، الصادرة عن المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، بقراءة الحوادث الأمنية التي شهدتها دمشق ومحيطها في مطلع تموز/يوليو 2026، ولا سيما تفجير مقهى المشيرية قرب القصر العدلي، والهجوم على حاجز كشكول في جرمانا، ومحاولة زرع عبوة في حي الورود، والتفجيرين المتزامنين مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق. وترتكز الورقة على تحليل الدلالات الأمنية والسياسية لهذه الحوادث، بوصفها لم تكن وقائع منفصلة، بل مؤشرات على طبيعة التحديات التي تواجهها الحكومة السورية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن دمشق، رغم تحسن مستوى الضبط الأمني، ما تزال تواجه ثغرات في منع العمليات محدودة التعقيد قبل وقوعها. وتذهب إلى أن خطورة هذه الحوادث لا تكمن في أدواتها البدائية فقط، بل في توقيتها ومواقعها ورمزيتها، إذ استهدفت محيط المؤسسة القضائية، ومناطق مدنية ذات حساسية أمنية وديموغرافية، وبيئة الانفتاح الدولي بالتزامن مع زيارة رفيعة المستوى إلى العاصمة.
توضّح الورقة أن هذه الحوادث تكشف عن تداخل عدة مستويات من التهديد: بقايا الشبكات المرتبطة بالنظام السابق، وشبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، والسلاح المنفلت، والخلايا الصغيرة القادرة على استغلال الفجوات اليومية داخل المدينة. كما تشير إلى أن التفجيرين اللذين تزامنا مع زيارة الرئيس الفرنسي حملا رسالة سياسية واضحة، هدفها التشويش على صورة الاستقرار، وإرباك مسار الانفتاح السياسي والاقتصادي، والتأثير في ثقة الوفود والمستثمرين الأجانب بسورية الجديدة.
تنبّه الورقة إلى أن استمرار زيارة ماكرون وبرنامجها السياسي والاقتصادي، بما في ذلك الجولة العلنية في دمشق واستكمال توقيع الاتفاقيات، مثّل ردًا سياسيًا مباشرًا على محاولة تحويل التفجيرات إلى عنوان للزيارة. كما ترى أن الاستجابة الأمنية الرسمية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء استقرار مستدام، ما لم تترافق مع انتقال واضح من منطق التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى مقاربة استباقية أكثر قدرة على الرصد والوقاية.
تقترح الورقة تطوير أدوات أمنية وقائية تجمع بين الشرطة المجتمعية، وتحديث منظومات المراقبة، وتحليل البيانات الأمنية والجنائية ضمن غرف عمليات مشتركة، وتعزيز أمن المناطق المدنية المفتوحة من دون تحويلها إلى فضاءات مثقلة بالحواجز. وتصل الورقة إلى نتيجة مفادها أن دمشق لا تواجه خيارًا أمنيًا تقليديًا يقوم على زيادة الحواجز والدوريات فقط، بل تحتاج إلى مقاربة أوسع تربط الردع، والإنذار المبكر، والعمل المجتمعي، والتكنولوجيا، بما يقلل قدرة الخلايا الصغيرة والشبكات الإجرامية على تحويل الثغرات اليومية إلى رسائل سياسية وأمنية.









