اليوم الأول من السنة العاشرة

أنتجت الحرب السورية، التي أوقد سعيرَها النظام السوري، أكبر كارثة على مستوى الإنسانية منذ عقود، وخلّفت مئات آلاف الضحايا، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، وأدّت إلى أكبر أزمة لجوء ونزوح شهدتها المنطقة، على مدى تاريخها القديم والحديث، وتسببت في تغييرات ديموغرافية وسكانية في الشرق الأوسط كله، وأدّت إلى أن تصبح سورية ميدانًا تتصارع فيه القوى الإقليمية والدولية.

هرب ملايين البشر من سورية، من جحيم الحرب، ومن إجرام النظام الشمولي، وخوفًا من أقبية السجون، ومن عسف وقمع الأجهزة الأمنية، ومن ميليشيات وكتائب ومرتزقة وقطّاع طرق، كما هربوا من عنف النظام الروسي الذي يعمل على تحقيق أهدافه الاستراتيجية، ولو على حساب تشريد أو موت ملايين الأبرياء، كما هربوا أيضًا من انتقام إيران التي باتت “مارقة”، في كثير من المقاييس.

من قام بالثورة في سورية، قبل تسع سنوات، هم أناسٌ أحبّوا الحياة، وأحبّوا الوطن، وكانوا يفتخرون بكرامتهم وعنفوانهم، وأرادوا تغيير النظام السياسي الأمني التمييزي إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، يحفظ حقوق البشر وكراماتهم، ويساوي بين الجميع، ويرفع المواطنة إلى المستوى الأهم، ويُسوّد القانون، ويحقق العدل.

عمل النظام السوري، خلال السنوات التسع الأخيرة، على تدمير القيم والأخلاق والمُثل، فخرّب التعليم وشوّه الفكر، ونشر التخلّف والنزعات والنعرات والتمييز وشجّع الشعبوية.

في المقابل، لم تسعَ المعارضة السورية، السياسية والحقوقية والأهلية، لتشكيل الوعي الشعبي، وعي ما زال السوريون بعد تسع سنوات في أمس الحاجة إليه أكثر من أي شيء آخر، وعي بأهمية التخلص من العقائد والأفكار والأيديولوجيات البالية، ووعي بأن أي سوري هو مواطن وفقط، بغض النظر عن قوميته ودينه وإثنيته ومنطقته، ووعي بأن أحدًا لا يمكن أن يملك الحقيقة وحده، ووعي بأن الثورة تنجح حين يتمسك البشر بالقيم والمبادئ.

لم تُفلح المعارضة السورية في أن تشرح للسوريين أن الدكتاتور واحد، مهما كانت قوميته أو دينه، سواء أكان رئيس دولة أو رئيس حزب أو رئيس ميليشيا، وأن عبادة الزعيم أمرٌ شعبوي متخلّف.

بعد تسع سنوات عجاف، ما زال يمكن التعويل على النخب السورية بأن تأخذ دورها التوعوي، لتعيد تشكيل الوعي والمعرفة والفكر والأخلاق، عبر ريادتها في إنتاجها الفكري والبحثي والعلمي والثقافي، وسيكون دورها وطنيًا للغاية في ما تقوم به، بل وثوريًا أيضًا.

الثورة السوريةالنخبتشكيل الوعي في سورية

الاقتباسات

باسل العودات. (2020). اليوم الأول من السنة العاشرة. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon.techbithub.com/p/8919/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد