ويستمر الحلم

طوال خمسة عقود، كان يحلم السوريون أن يعيشوا حياة كريمة حرّة، وأن ينتهوا من حقبة مريرة يعيشونها، وأن يتخلصوا من نظام استبدادي شمولي أمني تمييزي طائفي فاسد، أذاقهم المرّ وأذلّهم وقمعهم وأفقدهم إنسانيتهم، وحرمهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية، وأساء إلى سورية، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وكان الجميع يخشى هذا الحلم، ففي “دولة الأسد” مجرد الحلم هو جريمة يُعاقب عليها بالإخفاء على الأقل.

قبل عشر سنوات، بدأ الحلم يتحوّل إلى حقيقة، إذ كتب طفلٌ في درعا إن دور سقوط دكتاتور سورية قد حان؛ وأيقظ بكتابته حلمَ ملايين السوريين، فخرجوا في تظاهرات سلمية لا سابق لها ولا أروع، يُنشدون الخلاص من هذ الحكم الدكتاتوري الذي منع كل أحلامهم، وحوّلها إلى كوابيس.

في آذار/ مارس 2011، عرف ملايين الشباب السوري أن أحلامهم صارت مشروعة، وآن أوانُ تحقيقها وتحولها إلى حقيقة، فكسروا حاجز الخوف إلى الأبد، وأدركوا في لحظة قوّة أن لا أحد يستطيع حرمانهم من الحلم، لا النظام ولا غيره، ولن يستطيع أحدٌ قتل أحلامهم المشروعة، بالعدالة والحق والمواطنة والعيش الكريم، الأحلام التي ترتقي فوق كل طاغية.

بعد عشر سنوات، على الرغم من كل ما حصل في سورية، وما آلت إليه الثورة، بحسناتها وسيئاتها، بإشكالاتها وسلبياتها، ومع كل الخسائر؛ ما زال السوريون يصرّون على أن يحلموا، ليتخلصوا من كابوسٍ رزح على صدورهم خمسة عقود.

يُدرك السوريون جيدًا، من دون مواربة أو مكابرة، أن ثورتهم تعثّرت، وفشلت في مواقع، ونجحت في مواقع أخرى، وأنهم خسروا الكثير، من شركاء وأصدقاء وأهل وأحبّة، ودمّر النظام بحربه ماضيهم وحاضرهم، وارتكب جرائم حرب بحقهم، وحوّل سورية إلى دولة شبه فاشلة، لكنهم مستمرون بالحلم، ويؤكدون أن تضحياتهم لن تنتهي من أجل تحقيقه.

يدرك السوريون أيضًا أن هيئات المعارضة السورية خذلتهم، وجرّبت بهم، وتحاصصت وتقاسمت وغنِمت، وابتعدت في مواضع كثيرة عن الشعور بالهمّ العام، وركّزت على هموم منتسبيها الشخصية، وأمزجتهم، وأحيانًا مصالحهم الفردية.

كما يدركون جيدًا أن الدول التي اعتقدوا أنها صديقة، لم تكن كذلك تمامًا، حيث إنها ربطت علاقتها بهم بمصالحها أيضًا، واستفادت من قضيتهم إلى أقصى حد، أكثر بكثير مما أفادت هذه القضية، فتقطعت السبل بملايين السوريين، لاجئين ونازحين ومهجّرين ومعتقلين وثكلى وأيتام.

كما يدرك السوريون أخيرًا أن ثمن الثورات دائمًا باهظ، وأن بعضها يستمر عقودًا، فأمُّ الثورات في فرنسا استمرت قرنًا حتى قطفت ثمار تضحيات ثوارها الأوائل، الذين حاكموا لويس السادس عشر وجزّوا رقبته على المقصلة، وساقوا ماري أنطوانيت في شوارع باريس لتلقى مصير زوجها؛ وتنتهي حقبة حكم الفرد والعائلة، وأخذت بعدها الثورة أشكالًا مختلفة حتى حققت مرادها.

في سورية المستقبل، سيساق يومًا الطغاة إلى المحاكم من دون شك، وسيلقون لا محالة عقوبة ما فعلت أيديهم، وتنتهي حقبة حكم الفرد والأسرة، لتُبنى دولة المواطنة الديمقراطية التعددية التداولية، وسيتحقق عندها حلم ملايين السوريين، الذين ملأت أصواتهم شوارع سورية ينشدون: “ما في للأبد… عاشت سورية ويسقط الأسد”.

وسيبقى الحلم مستمرًا، وستنتصر الثورة السورية، وكلّ ما هو آتٍ قريب، وعاشت سورية وليسقط الأسد وكل الطغاة.

الثورة_السوريةالنظام_السوريسورية

الاقتباسات

باسل العودات. (2021). ويستمر الحلم. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon.techbithub.com/p/7523/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد