يتناول تقدير الموقف الأخير الصادر عن المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة احتجاجات مسار العدالة الانتقالية التي شهدتها عدة مدن سورية خلال النصف الأول من حزيران/يونيو 2026، والتي بدأت من دير الزور مع إقامة “خيمة الكرامة”، ثم توسعت إلى إدلب وحلب ودمشق وحماة ودرعا وحمص. وقد تمحورت المطالب الأساسية حول تسريع محاسبة المتورطين في انتهاكات سنوات الثورة، ورفض عودة بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع نفوذ اجتماعي أو إداري.
تكشف هذه الاحتجاجات عن اتساع الفجوة بين توقعات عائلات الضحايا ووتيرة الإجراءات الحكومية في ملف المحاسبة، رغم إعلان وزارة الداخلية توقيف آلاف العسكريين والأمنيين من النظام السابق. كما أظهرت أن ملف العدالة الانتقالية لم يعد محصورًا في المؤسسات الرسمية، بل بدأ يتحول إلى قضية مجتمعية ضاغطة، خصوصًا في المناطق التي شهدت مستويات مرتفعة من الانتهاكات.
حافظت غالبية الاحتجاجات على طابعها السلمي، إلا أن بعض الحالات شهدت أعمال عنف أو تهديدًا باستخدامه، كما حدث في كفرتخاريم وتل رفعت والمزة وتدمر. ويشير ذلك إلى خطر انتقال المطالب من مسار المحاسبة الفردية إلى ممارسات محلية غير قانونية، مثل الطرد الجماعي أو النبذ الاجتماعي، بما قد ينتج مظالم جديدة ويضعف مسار العدالة نفسه.
تعاملت الحكومة مع الاحتجاجات عبر مزيج من الاحتواء والحوار والإجراءات الأمنية الوقائية. ففي دير الزور جرى تعليق الاعتصام بعد تعهدات رسمية، بينما تدخلت قوى الأمن في مناطق أخرى لمنع توسع العنف أو الاحتكاك المباشر. كما حاولت وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية توجيه الغضب الشعبي نحو القنوات الرسمية، مع التأكيد على مشروعية مطالب الضحايا والتحذير من العقاب الجماعي.
يخلص التقدير إلى أن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا لن يتحقق عبر إعلان أرقام الموقوفين فقط، بل يتطلب سياسة معلنة وشفافة تشمل آليات واضحة لاستقبال الشكاوى، وقواعد للعزل الوظيفي، وبرامج جبر ضرر وحفظ ذاكرة، ومساحات نقاش محلية تشارك فيها عائلات الضحايا والمنظمات الحقوقية، بما يضمن التوازن بين العدالة والاستقرار والسلم الأهلي.






