أقام المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025، ورشة بحثية، في العاصمة السورية دمشق، دعا إليها عددًا من الباحثين السوريين المهتمّين بالشأن السوري، لمناقشة جملة من القضايا المرتبطة بالعام الأول من المرحلة الانتقالية، وذلك في أعقاب إصدار المركز سلسلة من الأوراق البحثية التي قيّمت هذا العام في مختلف القطاعات.
وشملت هذه الأوراق مسارات السياسة والقانون، والعدالة الانتقالية، والمسار السياسي، والمجتمع المدني، والتعليم، والأمن والعسكر، والعلاقات الدولية والإقليمية، إلى جانب المسار الاقتصادي، وذلك ضمن إطار بحثي شامل حمل عنوان (سورية في العهد الجديد.. عام على انتصار الثورة)، وامتدت الورشة على مدار يوم كامل، بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والخبراء السوريين، وخُصّصت لاستعراض الأوراق البحثية ومناقشتها بصورة معمّقة، سواء الأوراق التي نشرت عبر منصات المركز، أو تلك التي ستُنشر تباعًا خلال الأيام القادمة. ويأتي هذا اللقاء في سياق استكمال المركز لنشاطه البحثي داخل سورية، ضمن مشروع جاد يسعى إلى تتبّع التحولات السورية والإسهام في مناقشة المرحلة الانتقالية، وتعزيز فرص نهوض الدولة السورية من جديد.
ركّزت الأوراق البحثية على تقييم ما أُنجز خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية، وما لا يزال قيد العمل، مع رصد النجاحات المُتحققة من جهة، والإخفاقات والعثرات من جهة أخرى. ويسعى المركز، من خلال هذه المقاربة، إلى الإسهام في مناقشة مسار “الجمهورية الجديدة”، عبر تنبيهات واضحة لمعالجة مواطن الخلل، وتسليط الضوء على التجارب والإنجازات القابلة للاستمرار والاستثمار والاستدامة في المرحلة المقبلة. وتوزّعت أعمال الورشة على ثلاث جلسات، تضمّنت كل جلسة مناقشة ثلاث أوراق بحثية، قدّم فيها الباحثون أوراقهم أمام الحضور، ثم فُتح باب النقاش والمداخلات، بما أتاح تفاعلًا نقديًّا واسعًا حول مضامين الأوراق ومخرجاتها.

الجلسة الأولى
تضمّنت الورشة أربعة محاور رئيسة، هي: القانون والسياسة، الملفّ السياسي الداخلي، والمجتمع المدني والحريات، وأدار جلساتها الأستاذ أيمن عبد النور.
افتُتحت الورشة بجلسةٍ خُصّصت لمحور القانون، قدّمها الدكتور محمد حسام الحافظ، رئيس مجلس أمناء المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وتناول فيها موقع سورية في مرحلة الانتقال بعد سقوط النظام. وأكّد أن ما انهار لم يكن مؤسسات الدولة بحد ذاتها، بل النموذج السلطوي الذي هيمن عليها لعقود. وأشار إلى أن جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا سيما القضاء والأمن، ما تزال جزئية وهشّة، وتميل في بعض جوانبها إلى إعادة إنتاج اختلالات من النظام السابق، معتبرًا أن مستقبل الدولة السورية مرهون ببلورة إرادة سياسية ومؤسسية قادرة على الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة.
وفي المحور الثاني، ناقش الدكتور سامر بكور الورقة الخاصة بالمحور الدولي، مسلّطًا الضوء على السياسات السورية الجديدة تجاه الاصطفافات الدولية. وحلّل مواقف كلٍّ من روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، من المرحلة الانتقالية في سورية، فضلًا عن تقييم أداء الحكومة على المستوى الخارجي. وناقش موضوع التحوّل في السياسة الأميركية، بين الإدارة السابقة والإدارة الحالية، وانعكاسات هذا التحوّل على مقاربة الملف السوري ومسارات التعامل الدولي مع الحكومة الانتقالية.
وفي المحور الثالث، قدّم الدكتور سمير العبد الله ورقته حول المحور الإقليمي، وقد ركّز فيها على التحولات العربية والتركية، ومواقف دول الجوار من الواقع السوري وتداعيات المرحلة الانتقالية الأولى، إلى جانب تسليط الضوء على السياسات السورية المتزامنة مع هذه التحولات، ولا سيما تبنّي سياسة “اللا محاور”، وتوسيع دائرة اللقاءات والزيارات الإقليمية.
وفي المحور الرابع، ناقش الباحث يمان زباد الورقة الخاصة بملفّ التعليم العالي والتعليم ما دون الجامعي، وتناولت الورقة واقع التعليم في سورية لحظة سقوط نظام الأسد، وقدّمت قراءة تحليلية لأداء وزارتي التربية والتعليم العالي بعد عام من التحرير. وحدّدت الورقة الإشكاليات البنيوية التي تعانيها المنظومة التعليمية، وبيّنت مواطن الخلل التي ينبغي تلافيها، وتضمّنت توصيات مباشرة تستهدف إصلاح قطاعي التعليم العام والعالي، في سياق المرحلة الانتقالية.
الجلسة الثانية
تضمّنت الورشة ثلاثة محاور رئيسة هي: العدالة الانتقالية، الملفّ السياسي الداخلي، والمجتمع المدني والحريات، وأدار جلساتها الدكتور حسام الحافظ.
افتُتحت الجلسة بورقةٍ قدّمها الدكتور إبراهيم الدراجي، مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، تناولت مسار العدالة الانتقالية في سورية، وما تحقق خلال العام الأول من إجراءات دستورية ومؤسساتية، مثل إلغاء القوانين الاستثنائية وإنشاء هيئات الحقيقة والمفقودين، مقابل استمرار فجوات بنيوية، أبرزها غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، وضعف مشاركة الضحايا. وأشار إلى أن ما تحقق يمثّل نواة مهمة لمسار واعد، لكنه ما يزال بحاجة إلى إطار موحّد ورؤية تنفيذية واضحة، تضمن انتقالًا فعليًا يطوي صفحة الماضي ويمنع إعادة إنتاجها.
وفي المحور الثاني، ناقش الدكتور سمير العبد الله ورقة حول الملف السياسي الداخلي، تناول فيها أبرز التحديات السياسية التي تواجه سورية، والسياسات التي انتهجتها الحكومة الانتقالية. وبيّن أن المرحلة الانتقالية لم تقتصر على تغيير السلطة، بل شكّلت لحظة تأسيسية لإعادة بناء الدولة نفسها، في ظل إشكاليات عميقة تتعلق بالشرعية، والانقسام المجتمعي، وتعدّد الفاعلين. وأشار إلى أن هناك خطوات، مثل مؤتمر النصر، ومؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري المؤقت، مثّلت محطات ضرورية لملء الفراغ المؤسسي، لكنها ما تزال بحاجة إلى رؤية دستورية وسياسية تشاركية ومستدامة، لتتحول إلى قاعدة حقيقية لبناء الدولة.
وفي المحور الثالث من الجلسة، ناقش الباحث محمد السكري ورقته حول المجتمع المدني والحريات، متناولًا واقع المنظمات والجمعيات والنقابات، وآليات التعاطي مع هذا الحقل الحساس. وأكّد أن المجتمع المدني كان أحد أهم حوامل الثورة السورية، مشيدًا بتوسّع هامش الحريات السياسية والعامة، إلا أنه شدّد على أن التجربة السورية أظهرت أن توسّع الحريات وحده لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج مجتمع مدني فاعل، حيث ما زال المجتمع يعاني تحديات بنيوية كبيرة، مقدّمًا توصيات عملية لآلية تحسين القطاع وتطويره.
الجلسة الثالثة
تضمنت الورشة ثلاثة محاور رئيسة هي: الهجرة وعودة اللاجئين والنازحين، الأمن والعسكر، والاقتصاد، وأدار جلساتها الدكتور إبراهيم الدراجي.
في المحور الأول، ناقش الدكتور سامر بكور ملفّ الهجرة وعودة اللاجئين والنازحين، حيث قدّم ورقة تناولت متطلبات عودة اللاجئين السوريين، مركزًا على أنماط العودة، ومواقف الدولة المضيفة، والبنى التحتية، وأولوية عودة النازحين داخليًا. واستند في عرضه إلى الأرقام والإحصاءات، مؤكدًا ضرورة وجود سياسات واضحة وشاملة لإدارة هذا الملف من الناحية القانونية، لضمان تحقق عودة آمنة وكريمة.
في المحور الثاني، تناول الباحث نوار شعبان الملفّ الأمني والعسكري، مستعرضًا مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية بعد سقوط الأسد، من جيش منهار إلى مشروع جيش وطني خلال عامه التأسيسي الأول، وأشار إلى نجاح الحكومة الانتقالية في توحيد القوة المسلحة ضمن إطار مؤسسي، وفي تقليص مخاطر التفلت، وبيّن أن التحدي الأساسي يكمن في ترسيخ الدمج، وبناء عقيدة وطنية، وتحويل السلاح إلى أداة خاضعة للدولة والقانون، بما يجعل الجيش ركيزة للاستقرار ونجاح الانتقال السياسي.
أما في المحور الثالث، فقد قدّم الدكتور وائل الهرش ورقةً بحثيةً حول المسار الاقتصادي لسورية خلال المرحلة الانتقالية، تناول فيها واقع الاقتصاد السوري وتحوّلاته البنيوية والتنظيمية الجوهرية، وقد سلّطت الورقة الضوءَ على الإجراءات العاجلة التي تم تنفيذها خلال العام الأول لمواجهة التحديات الطارئة، إلى جانب استعراض السياسات المالية والنقدية المعتمدة في تلك الفترة، مع تقديم تحليل لهذه السياسات، يوضح الآثار الإيجابية والتأثيرات السلبية الممكنة، مع الإشارة إلى انعكاساتها على المدى القصير والمتوسط.

واختُتمت الورشة بتأكيد الدكتور إبراهيم الدراجي، مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، أهميّة مراكز الأبحاث والفكر، ودورها في تطوير مختلف القطاعات والمجالات، ولا سيّما في هذه المرحلة الحساسة في سورية، مشيرًا إلى حرص المركز على عقد ورش ولقاءات مماثلة ومكثفة، تجمع الباحثين والأكاديميين والخبراء، في المرحلة القادمة، بما يُسهم إيجابيًا في تعزيز النقاش حول الواقع السوري.






